ما بعد الحداثة ليست كونية و انما كوسموبوليتانية و هو امر مختلف تماما ففضاء ما بعد الحداثة العالمي فضاء هجين اما فضاء الكونية ففضاء موحد. و الكوني لا يتعارض مع القومي -فالثقافة الكونية مثلاً تري إلي نفسها علي انها مجمع لاجمل اعمال الثقافات القومية – اما الثقافة الكوسموبوليتانية فتنتهك الحدود القومية حتماً شأنها شأن المال و الشركات العابرة للقوميات.  ١


 

الثقافة قد غدت الآن القيم و الوصي علي الثقافات. فقد ارتفع الخصوصي الي مستوي الكوني، الأمر الذي يمثل نقلة تعزز هذا الخصوصي و تهدد ان تجعله بلا اساس في آن معاً. و الحال ان ما بعد الحداثة هي ما يحدث حيث ينتفخ النظام إلي الحد الذي يبدأ عنده بانتقاض جميع أضداده و إبطالها، و بذا يكف تماماً عن الظهور بمظهر النظام. فالكلية، إذا ما امتدت بعيداً بما يكفي تنقلب الي مجرد حشد من الخصوصيات العشوائية. ولأن اياً من هذه الخصوصيات لا يمكن تعريفه إزاء غيره، بسبب من عشوائية هذه الخصوصيات، فإنها تبدو جميعاً متشابهة علي نحو مريب، كما يغدو الاختلاف   و قد دفع الي اقصاه شبيهاً بالهوية شبهاً غريباً. و كلما اشتد إضفاء الطابع الخصوصي علي العالم، كلما ازداد هذا العالم تماثلاً موحشاً.   … والحال ان ما يتوسط بين الاختلاف و الهوية ويسوي الخلافات بينهما هو بنية او طريقة تتمفصل من خلالها الاختلافات في نموذج او نسق ذو دلالة، كما هو الحال في سرد، فإذا ما اخفق التمفصل  بهذا المعني و اذا لم يعد ثمة نظام، يصبح من الصعب ان نقول ما اذا كنا نعيش في عالم تختلف فيه الاشياء جميعاً عن بعضها البعض ذلك الاختلاف الدراماتيكي أم في عالم يزداد تماثلاً و تطابقاً. و عموماً فمن غير الممكن ان تكون هنالك اي خصوصية مالم تكن ثمة فكرة عامة تقف قبالتها وتعارضها؛ فإذا ما طُرحت العمومية و نبذت باسم الخصوصي، فليس لنا الا ان نتوقع لهذا الخصوصي ان يختفي معها في نهاية المطاف.  ١
 
تيري إيجلتون

 

Advertisements