والآن ، ماذا تفيد البادئة “مابعد” إلي الحداثة، و فيم تتميز عنها؟
تفيد ان ما بعد الحداثة مشروط بما تم في الحداثة، كما هو الحال فيما بعد الحرب العالمية، أو ما بعد الحرب الباردة. فليست إمتداداً أو تكملة لما قبلها، بل تجاوز، بالمعني الفلسفي، أي هي نفي و احتواء معاً. أو بعبارة أخري، تجاوز إخفاقالمرحلة السابقة. ولذا لابد لبيان ما بعد الحداثة أن يصرح بما يتجاوزه، مما يدعونا إلى مقارنتها بالحداثة التي تخطتها.

1الفن ليس محاكاة: وأول نقد للفن، وهو الفن الذي يجعل موضوعه الفن نفسه، هو أن الفن ليس محاكاة أو تمثيلاً للواقع. ولا يعني هذا أنه موقف جديد من الفن، بل إعلان وتصريح بما لم يعلن أو يصرح به من قبل، و كان مستخفياً فلقد كان الفنانون قبل الحداثة يعمدون إلي كل ما يثير الإيهام أو الإيماء بعالم واقعي، بحيث تكون تقنياتهم وأساليبهم في نطاق معالجة الخامات الأصلية أو المفردات الفنية الخاصة بكل نوع، محض وسيلة لإحداث هذا الوهم.1

في زمن الحداثة كان المطلوب “الخروج” على المعايير السابقة بوضع معايير جديدة. أما ما بعد الحداثة فتعبر عن تخبط المعايير، أو إفتقادها بعد إنقشاع سحابة الأوهام الانسانية السابقة.
و ينعي أوكتافيوباث” الفن اليوم قائلاً بأنه يفقد قدراته النافية فأصبح النفي تكراراً، وصار التكرار طقساً، وباتت الثورة اجراء، وأضحي النقد بلاغة، وخرق المألوف احتفالاً…فاليوم نحيا نهاية الفن الحديث.
أما ما بعد الحداثة فليست دعوة، أو تمرداً أو موقفا محددا مثلما كانت الحداثة، بل هي استسلام لحالة افتقاد اليقين بوجود أسس. كما ترفض الأوهام في وجود عالم موحد متسق منسجم. والوضع الذي تواجهه هو حالة من السيولة، و التضارب، والفوضى.1

….وتختلف هنا عن الحداثة اختلافا بينا.
فالدال، أي الجانب المحسوس من العلامة، يستحث المتلقي لانتاج المدلول الذي يتطابق مع الدال لتكتمل العلامة في العمل الفني. وذلك عن طريق فك شفرته التي يرين عليها الغموض المقصود لإقصاء الإستهلاك الجماهيري للفن الحداثي في كثير من الأحيان.
أما فيما بعد الحداثة فالدال لا يطابق مدلولاً، ولا يدعو الفن المتلقي لإكتشافه، بل ليواجهه كما يواجه الواقع المشتت نفسه، و يستخلص منه ما يشاء “فكل شئ صالح” أو “كله ماشي” كما يقول فايارانبت فيتحرر الدال و تدمر سلطة المدلول. 1


تشتيت الدلالة:  ١


عمارة ما بعد الحداثة: وإذا كانت الحداثة ترفض الماضي لحساب المستقبل، فإن ما بعد الحداثة تتجول في الزمان، فيتعاصر الماضي مع الحاضر الذي يجذبه. و هو ما تجلوه لنا عمارة ما بعد الحداثة، و هي التي حملت لأول مرة تلك التسمية، فيتجاور الكلاسيكي مع الحديث. 1

صلاح قنصوة

Advertisements